من نحن

الموضوع في 'الفلسفة و الثيوصوفيا' بواسطة Lost|pages, بتاريخ ‏ماي 4, 2018.

مشاركة هذه الصفحة

  
  1. Lost|pages

    Lost|pages حكيم أطلنتس طاقم الإدارة

    الدولة:
    United Arab Emirates
    المشاركات:
    481
    الجنس:
    ذكر
    التقييم:
    +1,099 / -0
    من نحن

    แอตแลนตีส.jpg
    إعداد وتقديم:علاء الحلبي

    عبر العصور الطويلة والحقب التاريخية المديدة، والتي تعرّض لها الكائن البشري إلى أبشع أشكال القهر والاستعباد والظلم والبؤس..، حصل تغيير جذري في تركيبته الروحية والعقلية والوجدانية. ذلك بسبب التوجيه والإرشاد المزوّر الذي فُرض على الشعوب بهدف سهولة التحكّم بهم والسيطرة عليهم. فالقاعدة الذهبية للسيطرة على المجموعات البشرية تتمثّل بالعمل على إقناع هذه الكائنات الجبّارة متعددة القوى والأبعاد، غير محدودة القدرات، بأنهم مجرّد رجال ونساء عاديون يعيشون حياتهم اليومية دون جدوى.. ويقضون كامل حياتهم دون غاية أو هدف.. حينها تستطيع الإمساك بهم. لهذا السبب، أصبحنا في حالة جهل تام عن حقيقتنا ككائنات بشرية وحقيقة الكون من حولنا. لقد نسينا من نكون! ونسينا عظمة الكون من حولنا! وسلّمنا أرواحنا ومصائرنا لمجموعة من المرشدين المغرضين ليتحكموا بها كما يشاؤون ومتما شاؤا.


    عبر آلاف السنين، وحتى الفترة التي سادت ما قبل القرنين السابقين، كانت الأداة الرئيسية لـ"برمجة" العقل الجماعي للمجتمعات هي الإيمان بالدين القائم على المسلمات والمعتقدات الجازمة والغير قابلة للنقاش. تقدّم الفلسفات الدينية بشكل عام صورة محددة عن التكوين وانبعاث الإنسان إلى الوجود، رغم تأكيدهم على أنها "مختارة" من قبل الله، لكنها تسوّق بطريقة تدعوا الناس للخنوع والالتزام وعيش حياة لا جدوى منها. إن الذين يعتبرون أنفسهم أحراراً مجرّد كونهم ملتزمين بالمسلمات والمعتقدات الخاصة بأديانهم، يعتبرون من بين أكبر الضحايا المستعبدين من قبل خطة المتآمرين العالميين للسيطرة على العقل والجسم والروح.


    يتم غرس مشاعر الخوف والذنب ومجموعة أخرى من المشاعر السلبية في جوهر البشرية باسم الدين – فالأديان السماوية تشترك بنظرية الخطيئة الأولى التي يدفع المؤمنين ثمنها منذ بداية التكوين حتى اليوم، وحساب الآخرة التي هي نتيجة محتمة لكل من يسيء التصرّف أو السلوك ضمن معايير خاصة تحددها السلطة الروحية/السياسية القائمة. وهناك نظام الطبقات الهندوسي الذي يقول بأنه لا أمل للـ"منبوذين" بهذه الحياة. وكنتيجة مباشرة للسيطرة التامة للسلطة الدينية على كافة الأجهزة التعليمية والمصادر المعلوماتية لمدة قرون طويلة، وكونها لا تتساهل أبداً مع أي بدائل عنها (هذه البدائل التي تدان عادة على أساس أنها هرطقة، كما يتم استبعاد الشخص الذي يميل للأخذ بها، وينفى أو يعذب أو يقتل بوحشية) فقد نجحت بالمحافظة، لفترة طويلة من الزمن، على حشود مستسلمة ومنصاعة إلى ربها المتشدّد والحقود لكنه محبّ وكريم بنفس الوقت. كل ذلك ولم يفطن أحد إلى حقيقة أن كافة السلطات الدينية كانت، ولا زالت، خاضعة للسيطرة المباشرة ويتم استنزاف ثرواتها الهائلة من قبل منظمات سرّية تعمل وراء الستار. فإذا نظرنا إلى الفاتيكان مثلاً، والتي تُعتبر أقوى سلطة دينية في العالم، فهي تخضع اليوم للسيطرة المباشرة لمنظمة سرّية تتحكّم بمجريات الأمور في الخفاء، وهي عبارة عن اتحاد بين عناصر من الماسونية والمافيا، وتُعرف باسم P2. بالإضافة إلى أن جميع الديانات الكبرى ذات الموارد المالية الهائلة هي تحت سيطرة سلطات سياسية عالمية أو محلّية بالإضافة إلى البنوك أيضاً.


    عندما بدأت التطورات العلمية في القرنين الثامن عشر والتاسع العشر بمناقشة ومقارعة التفسيرات اللاهوتية السلفية التي تتناول حقيقة "من نحن"، خاصةً بعد ذلك الكم الهائل من الاكتشافات العلمية التي قلبت المنهج السائد في حينها (المنهج الديني) رأساً على عقب، بدأ عدد المؤمنون بالكنسية ينحسر ويتلاشى بشكل كبير. فقد كُشف عن حقيقة وجود كون هائل ليس له حدود، مسافاته شاسعة جداً مما يجعلها تقاس بالسنوات الضوئية. فالأرض إذاً هي ليست مركز الكون، بل هي مجرّد إحدى أصغر الكواكب التي تدور حول الشمس، والتي هي بدورها مجرّد نجم صغير في هذا الكون العظيم. هذا الكون الذي بدا واضحاً بأنه عاقل، لكن ليس بالطريقة الاستبدادية التي تفسّرها السلطات الدينية لرعاياها.


    هذه الحقائق الجديدة وضعت الكنيسة في موقع حرج، وجعلتها تفقد الكثير من هيبتها السابقة. فواجهت السلطة الدينية أخطر تهديد على الإطلاق، ومتمثّل بحقيقة أن الرعايا بدؤوا يفكرون بأنفسهم دون أي حاجة للنصح والإرشاد الكنسي. فخرج العلماء، وتبعتهم الشعوب المتمرّدة على الحظيرة الكنسية، وأعلنوا أن الحقيقة هي في المختبرات العلمية وليست عند رجال الدين أو الميتافيزيقيين.


    هناك نقطة مهمة جداً وجب منحها قدراً كافياً من الاهتمام. العلماء الأوائل الذين تمرّدوا على الكنيسة لم يكونوا منتمين للمذهب المادي كما نتصوره اليوم. هناك التباس كبير تم تكريسه من قبل المتآمرين لكي يحصل خلط في الحقائق التاريخية وبالتالي من اجل ضياع الحقيقة. فالمذهب المادي الذي يحكم المنطق العلمي اليوم جاء بعد فترة طويلة من ذلك الصراع المرير مع الكنيسة. والمذهب العلمي الذي خاض هذا الصراع في البداية هو الذي أصبح يُشار إليه فيما بعد باسم المذهب الحيوي. وهذا المذهب لم ينكر وجود عقل مدبّر لهذا الكون العظيم، والذي أثبت وجوده في كل مظهر من مظاهر الحياة، رغم أن هذا العقل يختلف تماماً عن ما توصفه المؤسسات الدينية. لكن ما لبثت أفكار هذا المذهب أن تسيطر على ساحة المعرفة الإنسانية حتى حصل انقلاب آخر أدى إلى استبعاده من الساحة واندثاره إلى الأبد، وذلك على يد المذهب المادي، وبدعم ومساندة من الكنيسة!


    قد يتساءل أحدكم، كيف يمكن للكنيسة أن تدعم مذهباً مادياً دنيوياً ينكر وجود الله بالمطلق في مواجهة مذهب علمي حيوي يقرّ بوجود عقل عظيم يدير شؤون الكون وما فيه من حياة؟... أليس من الحكمة مساندة المذهب الحيوي بدلاً من المذهب المادي؟!

    الحقيقة هي أنه من الحكمة دعم ومساندة المذهب الحيوي ضد المذهب المادي، لكن هذا يحصل فقط عندما تكون النيّة والهدف هو تنوير الشعوب وتحريرها من الجهل والغباء الذي تتخبّط به. وهذا طبعاً هو ليس مدرجاً في جدول أعمال أي سلطة دينية على وجه الأرض. ولكي نستوعب الفكرة جيداً، سوف أشرح باختصار عن حقيقة ما حصل بالضبط وكيف حصل.


    أوّل حقيقة وجب معرفتها هي أن الأديان هي مجرّد إحدى الأدوات التي تسيطر من خلالها النخبة العالمية المتآمرة على الجماهير. وبالتالي، فالكنيسة كانت (ولازالت) تخضع للسيطرة المباشرة لهم. لكن نتيجة هذا التحوّل الجماهيري الكبير الذي أحدثه المفكرون والعلماء المستقلّون، قرّرت النخبة المسيطرة (المتآمرون العالميون) بالتحرّك بسرعة قبل أن يفلت الأمر من سيطرتهم، وبالتالي تتحرّر الجماهير من قبضتهم. فتماشوا مع التيار الجديد، ذلك من خلال دعم ورعاية رجال علم ونظريات وأفكار علمية مصممة بطريقة معيّنة تصب في مصلحتهم، فما لبثوا أن نجحوا باختطاف جوهر هذه العلوم والاكتشافات الثورية الجديدة من خلال دعم منطق علمي جديد يسيطر على عقول الجماهير من جديد.


    الأمر المهم بالنسبة لهم هو أن تبقى الجماهير جاهلة عن حقيقة من تكون وكذلك طبيعة الكون من حولها ... هذا هو الهدف والغاية. والأمور الباقية هي ثانوية بالنسبة لهم. وبالتالي، ليس من المستغرب أن يكونوا هم ذاتهم من ساهم مساهمة كبيرة في دعم ومساندة المعتقد العام الداعي للإيمان بالله الذي يحاسب الناس (هذا الإيمان الذي مكّنهم من السيطرة على الجماهير عبر قرون طويلة من خلال الخوف والذنب والخطيئة.. والكهنة.. إلخ)، ومن ثم دعم التوجّه نحو إنكار وجود الله والإيمان بأن الحياة تتمثل فقط بكل ما هو مرئي وملموس (وهذا الأمر يُمًكن النخبة ذاتها من بسط السيطرة باستخدام العلم والمذهب الأيديولوجي المادي)... المهم هو أن لا نعرف الحقيقة!


    ولهذا السبب نرى أبطال المذهب المادي الذي كرّسوه، مثل إسحق نيوتن (الذي كان ينتمي إلى محفل برايور دي زايون) وداروين وديكارت وغيرهم.. جميعهم ينتمون إلى محافل سرّية نافذة جداً عملت على دعمهم ومؤازرتهم وتكريس أفكارهم. المنظمة المركزية التي تسيطر (ولا تزال) على المنطق العلمي العام هي متمركزة في لندن وتُسمى "المجتمع الملكي"، والتي تاريخها الرسمي يصرّح جهاراً بأنها تأسست بفضل المحفل الماسوني. كانت نظريات داروين حول التطور تمثّل أول انقلاب رئيسي على العقلية العلمية القائمة حيث تم تحويلها إلى نظام اعتقادي يأخذ بمبدأ "البقاء هو للأنسب/حيث لا وجود لأي عقل مدبّر" هذا النظام انتشر بشكل واسع في القرن التاسع عشر. مع أن هذه النظرية ليست من بنات أفكار تشارلز داروين، وإنما كانت بشكل أساسي حصيلة جهود المجمع القمري Lunar Society، وهو عبارة عن منظمة سرّية تم إنشاؤها من أجل تقويض نظرية الخالق والإطاحة بالمنطق العلمي الحيوي القائم حين ذاك (وكان لها يد في تأسيس المجتمع الملكي في لندن) وأشهر الأعضاء كان بنجامين فرانكلين وجدّ ووالد تشارلز داروين، في الحقيقة كانت عائلة داروين بالكامل مرتبطة بهذا المجمع السرّي بشكل وثيق. وقد تخلّى داروين عن الإيمان بهذه المسألة الجدلية في نهاية حياته، لكن النظريات انتشرت ورسخت بقوّة (بدعم من النخبة العالمية) وأصبحت منذ حينها تدرس على أساس أنها حقائق علمية ثابتة. وقد كرّر التاريخ نفسه من جديد، وتمّ السيطرة الكاملة على أفكارنا ومعتقداتنا حول مسألة "من نكون" و"ماذا نكون" من خلال برمجتنا بمعتقدات ملتوية لا تخدم سوى طبقة النخبة (المتنورين) ومخططاتهم الهادفة دائماً للسيطرة المطلقة على الإنسان ومصيره.



    أما الأفكار العلمية التي تتحدى الأفكار التقليدية السائدة المتعلقة بنظرية التطوّر، والطبيعة الميكانيكية المادية للكون (أي انه غير عاقل بل عشوائي بطبيعته) وتهدف إلى إظهار صفة أبدية الروح والعقل الكوني الذي ينبثق منه الوجود وإليه يعود، وغيرها من حقائق كونية ثابتة، فيتم تهميشها بالكامل وتصنف في خانة الماورائيات، وجميع الأكاديميين الذين عملوا بهذا المجال صُنّفوا بأنهم معتوهين وغير محترمين، رغم أن هؤلاء الرجال الأكاديميون كانوا من ألمع العقول وأكثر الشخصيات احتراماً ونزاهة في ذلك العصر.


    إذاً، يبدو أن شيئاً لم يتغيّر في عالم المعرفة الإنسانية. فرغم التغييرات الثورية التي حصلت في تاريخ العلم والمعرفة، إلا أننا لازلنا نقبع تحت أبشع أنواع السيطرة.. وهي السيطرة على طريقة تفكيرنا والتي تمنعنا من معرفة حقيقتنا الأصيلة وحقيقة الطبيعة والكون من حولنا. إن التغييرات الجذرية التي طرأت في عالم المعرفة في القرنين السابقين لم تكن سوى تغيير لواجهة المسيطرين، تغيير لثوب الأفعى. ولازلنا عالقون بين منطقين متناقضين وجب الاختيار بينهما: المنطق الديني الذي يتناول الجانب الروحي من وجودنا ويحكمه الكهنة ورجال الدين (من جميع المذاهب والطوائف)، والذين يكرّسون فكرة وجوب الالتزام الحرفي بتعاليم ونصوص دينية من أجل نيل رضى الخالق الذي يُعاقب عقاباً شديداً. والمنطق العلمي الذي يتناول الجانب الدنيوي (المادي والملموس) من حياتنا، والمتمثّل بالمجتمع الأكاديمي الرسمي الذي يكرّس فكرة الطبيعة الميكانيكية العشوائية للكون وكل شيء خُلق وتطوّر بفضل عامل الصدفة لا أكثر ولا أقلّ. وكلا التوجّهان المتناقضان هما مدعومان من قبل جهة واحدة، وهي النخبة المسيطرة على العالم، والهدف من ذلك هو منع ظهور منطق آخر يحرّر الشعوب من السيطرة عن طريق إطلاعهم على حقيقة من يكونوا وطبيعة الكون من حولهم.

    مــن أنــت؟


    رغم كل هذا التطوّر والتقدّم الذي شهده الإنسان في القرن الأخير، هناك حقيقة مؤلمة فحواها أن أجيالاً بكاملها لازالت تأتي إلى هذه الدنيا وتذهب.. ويأتي غيرها ويذهب.. دون أن يبذلوا أي محاولة للتعرّف على حقيقة من يكونوا.. عن الهدف من الحياة.. عن حقيقة "الأنا" الكامنة وراء القشرة الخارجية لكل إنسان. هذه القشرة الخارجية، هذا المظهر الخارجي، هو المستوى الوحيد من الذات الذي تتمحور حوله اهتمامات الإنسان العصري. أما الجوهر، فيبقى مجهولاً وكأنه غير موجود..


    رغم كل هذا التقدم الهائل الذي شهدناه في كافة مظاهر الحياة تقريباً، لازالت النفس البشرية وقواها الكامنة مجهولة تماماً. أو يتم تجاهلها بشكل مخزي ومعيب. هذا التجاهل الذي دام فترة طويلة من الزمن (منذ أن انتصر المذهب المادي على المذهب الحيوي في بدايات القرن الماضي)، إلى أن بدأت مؤخراً الدراسات تطوف من جديد على سطح المعرفة الإنسانيَّة. دراسات وأبحاث مذهلة تتناول الجانب الخفي من العقل والوعي والطاقة. مما أدى إلى فتح جبهة علمية جديدة لم تكن في الحسبان. مجال واسع لا يمكن استيعابه بسهولة.. وهذا المجال العظيم يصعب علينا الخوض فيه بسهولة، ليس لأنه يتسم بالتعقيد، بل لعدم وجود التسميات والمصطلحات المناسبة التي نستعين بها من أجل دراسة مفاهيمه المتنوعة والغريبة عن ثقافتنا التقليديَّة. تصوّر يا سيدي أن مجالاً واسعاً كهذا، لم تعرف حدوده بعد، ويشترك على دراسته فروع علمية متعددة، هذا العالم الرحب لا يزال الناس يشيرون إليه بكلمة واحدة فقط: ....."روحي" PSYCHIC .........!.


    القصد من كلمة "روحي" هو الإشارة إلى كل ما يكمن وراء المادة. وهناك معنى آخر يتم استخدامه حالياً. وهو كل ما يتعلّق بالعقل والظواهر العقلية المختلفة، وغالباً ما يقصد بها الظواهر العقلية الخارجة عن المنهج العلمي الرسمي. رغم أن هذه الكلمة شائعة الاستخدام وتشير إلى معانٍ كثيرة لها علاقة بالنفس، العقل، الروح، العقل الباطن، الأنا الكامنة، الهالة، الأنا الداخلية.. وغيرها، لكنها في الحقيقة لازالت كلمة زئبقية يجوبها الغموض. بالإضافة إلى ذلك كلِّه، فإنها تعتبر كلمة غير رسمية، حيث من النادر أن يؤتى على ذكرها في نصوص المنهج العلمي الرسمي. وهناك شريحة كبيرة من الناس، خاصة المتعلمين منهم، أوّل ما يسمعون هذه الكلمة يخطر في أذهانهم صور متعلقة بكل ما هو غير طبيعي، شاذ، معتوه، وهم، خداع، خيال، غير علمي، غير منطقي، غير عقلاني.. وهكذا. وبنفس الوقت، هناك شريحة أخرى، أوّل ما يسمعون هذه الكلمة يخطر في أذهانهم صور متعلقة بكل ما هو ما ورائي، تجاوزي، غير مادي، من أعمال الشيطان، موهبة ربانية، قدرات عقلية استثنائية .. وهكذا. لكن السؤال هو:


    طالما أنك تجهل أو تتجاهل هذا الموضوع، فكيف إذاً تستطيع التعريف عن نفسك؟

    إذا طُلب منك التعريف عن نفسك، فكيف تفعل ذلك؟.. ماذا تقول؟.. هل ستذكر التعريفات والمواصفات الشخصية ذاتها التي يحفظونها لك في إدارة النفوس الحكومية؟ أو التعريف الذي تملي به طلب أو استمارة رسمية؟...


    هل أنت محمود؟.. لا يا سيدي... فهذا مجرّد اسم أطلقوه كوسيلة سهلة للإشارة إليك. هل أنت نجّار؟.. لا... فهذه مهنة تعتاش منها من أجل البقاء في هذا العالم المادي المقيت.. هل أنت طويل؟.. قصير؟.. عينيك زرقاوان؟.. عسليتان؟.. لا.. فهذه عبارة عن مواصفات جسدك الفيزيائي.. القشرة الخارجية التي تقبع أنت داخلها. هل أنت فرنسي؟.. هندي؟.. صيني؟.. لا... فهذه جنسيتك السياسية.. أو القومية.. وهذه القصة طويلة لا مكان لروايتها الآن.


    إن لم نقم بتبديل صيغة الأسئلة، فسوف نبقى على هذه الحال إلى الأبد دون التوصل إلى نتيجة. لأننا سنبقى في المستوى الخارجي من شخصيتك. وبالاعتماد على ما سبق، نستنتج بأنك تعرّف نفسك بالاعتماد على ما تعتقده، وما تفكر به، وما تأكله، وما تبدو عليه، وماذا تفعل،... وهكذا. جميعها تعريفات متعلقة بمظهرك الخارجي الذي اكتسبته خلال وجودك في هذه الحياة. فالشخصية بتعريفنا العام هي طريقة التفكير والسلوك والاعتقاد الذي نشأنا عليه نتيجة سنوات طويلة من التأثيرات البيئية المتكررة بالإضافة إلى المؤثرات الاجتماعية الممثلة بعلاقتنا مع المحيطين بنا وتجاوبنا مع الظروف الحياتية التي نشأنا وسطها. كل هذه العوامل تولّد انطباعات محددة لدينا، ونعتمد عليها في النظر إلى الحياة من جهة وإلى أنفسنا من جهة أخرى.إذا جلبنا قطعة مغناطيس صغيرة، وعرّضناها لقطع معدنية مختلفة، فسوف تجذبهم في الحال. وستلاحظ أن هذا المغناطيس لا يفرّق بين القطع الصدئة والمهترئة، وبين القطع الجديدة البراقة. إنها بكل بساطة تجتذب كل شيء!


    فحالتنا هي مشابهة تماماً لقطعة المغناطيس. وإذا نظرنا إلى المرآة، سوف لن نرى قطعة المغناطيس الذي يمثّل جوهرنا، بل القطع المعدنية التي تكسوه بالكامل من الخارج، وهي التي تمثّل الصفات والمواصفات المكتسبة من حياتنا الدنيوية. دعونا نقوم بإزالة هذه القطع العالقة التي تكسو جوهرنا الحقيقي حيث تمنعنا من إدراكه... لنجرّد أنفسنا من أسماءنا وجنسياتنا ومظهرنا واعتقاداتنا و.. و.. غيرها. فماذا نكتشف؟!..


    أنت لازلت تعتقد بأنه ليس هنالك سوى "أنــت"، وليس هناك سوى وجهك الذي تراه في المرآة, وأنك وحيد في هذا العالم. وقد تفترض بأن "الأنا"، ذلك الجزء منك الذي يتمسك بالحياة بقوة وإصرار، هو الذي يجعلك تسعى نحو المناصب والسلطة، وهو الذي يدفعك للبحث عن ما يشبع ملذاتك، ويغريك لتسيطر على الآخرين، ثم يجعلك تتعامل مع محن الحياة ومصاعبها.. خائفاً وقلقاً على جوهر وجودك، لكن هذا ليس صحيح.


    هنالك الكثير الكثير من الأشياء التي تتصف بها.. أكثر مما قد تتخيل.. لكنك تجهل ذلك. إن الوجه الذي تراه في المرآة ليس سوى أحد مظاهرك المتعددة الأبعاد، إنها المظهر الفيزيائي للروح الكامنة فيك. ومع ذلك فإن روحك هي جزء من فكرة أكبر تدعى "الروح الكلية". إن النفس العلوية هي "الموجِّه"، إلى حد ما، للروح الكلية وهي مرتبطة بشكل مباشر بـ"العقل الكوني".. المرتبط بدوره بجوهر كل الخلق والإبداعات،... الله...


    إننا أكثر مما نبدو عليه بكثير... لكننا نجهل ذلك. نحن نبني آرائنا حول أنفسنا بالاعتماد على ما نراه في المرآة.. هذه النظرة لأنفسنا يتم ترسيخها وتثبيتها من قبل مجتمعنا ومدارسنا وحتى سلطاتنا الروحية...

    لا أحد له مصلحة في تعليمنا بحقيقة أننا جزء من الله.. وأننا لسنا منفصلين عنه.. وليس علينا الذهاب للبحث عنه عند أي سلطة روحية من أي نوع.. ذلك لأنه في الأصل موجود فينا وفي داخل كل خلية وكل ذرة منا. وفي الحقيقة لا يوجد شخص منا منفصل عن أي
    شخص آخر في هذا العالم.. رغم أن الأمور قد تبدو كذلك.. إلا أنها عبارة عن وهم.. لكننا نواجه صعوبة في استيعاب هذه الصيغة نظراً لمحدودية إدراكنا.


    لقد أصبحت قوانا الروحية والعقلية ضعيفة وهزيلة نتيجة الإهمال. ذلك بسبب التآمر الهائل والمخيف من قبل الأيديولوجيات المادية (التي تقول بأنه لا يوجد شيء في الفضاء سوى المادة)، والأيديولوجيات الدينية المناقضة لها تماماً (والتي تحكم الرعايا من خلال عامل الخوف من العقاب الشديد)، وقد ظهر مؤخراً أيديولوجيا استهلاكية دنيوية تسوّق لعبادة المال (التي تقول بأن الثروة المادية هي القيمة العليا والهدف الأسمى). هذا الوضع المخزي جعل أجيالاً من العقول الجاهلة المتحكّم بها، تنشأ على إدراك العالم المادي وشؤونه الدنيوية.. وأن ما ندركه بحواسنا المحدودة هو ما نحتاجه فقط في سبيل بناء حياة مثالية هنيئة تخدم الإنسان. أما المسائل المخالفة لهذا المفهوم، فتعتبر في قاموسنا العصري غير طبيعية أو شاذة. أما الأشخاص الذين يتكلمون عن ضرورة تنشيط القوى الروحية أو التعرف على الظواهر العقلية الغير مألوفة، فيتم تصنيفهم كأشخاص غير طبيعيين أو فاقدين لعقلهم أو مختلّين.


    لدينا فهم قليل جداً لمفهوم "الوعي"... وكون الوعي له خاصية غير مادية.. هذا يعني أنه وجب إهماله.. أو الاعتماد فقط على التعريف الذي نقرأه في المدرسة (الوعي هو حالة الصحوة حيث يتم تفعيل الإدراك..). العلماء يدرسون فقط المظاهر الفيزيائية المرتبطة بالوعي، كالأمواج الدماغية مثلاً، ولا يدرسون الوعي بحد ذاته.
     
    آخر تعديل: ‏ماي 4, 2018
    • معلومات مهمة معلومات مهمة x 2
    • أعجبني أعجبني x 1

مشاركة هذه الصفحة